![]() |
| يــس إعمران |
جبلت النفس البشرية على حب الشهرة والظهور بين الناس ، فيقول سيدي ابن عطاء الله أنه من أراد أن يقوم بمهمته الدينية فعليه أن يبدأ بعزل نفسه عن الأضواء وعن أعين الناس ، والخمول هنا لا يقصد به الكسل وإن كان ذلك الدراج في كلام الناس ، وإنما يقصد به الابتعاد عن كل ما يجلب الشهرة والظهور ، ويشبه ذلك بالبذرة التي يستنبتها الإنسان ، أتراها تنبت إذا ألقاها على سطح الأرض مع الحصى والحجارة ؟؟!! ، بل لابد أن تدفن في التراب وتغطى ، فكذلك العبد إذا أراد الصلاح في دنياه والفلاح في آخرته ، وقبل أن يظهر الله ذلك للناس عليه أن يعزل نفسه فيهتم بتأديبها وإصلاحها ، وتخليتها من شوائبها وتحليتها بجميل الأخلاق والآداب ، وكم رأيت من المسارعين إلى التدين يطلقون لحاهم قبل أن يهتموا بكف إطلاق ألسنتهم ، ويرفعون قمصانهم وهم لا يزالون يرفعون أصواتهم ما إذا سمعوا الحديث الشريف ، وربما فيهم من رفع صوته في بيت الله حيث الأحرى به الأدب والسكينة ، وهناك من ترتدي الجلباب وهي متبرجة أخلاقيا !! ، فهنا يتضح جليا أن التغير لم يكن بغرض الصلاح الداخلي الذي ينعكس على المظهر الخارجي ، إنما كان التغير للناس وابتغاء للشهرة ، فلم يجدوا شيئا من حلاوة الاستقامة ، كمن أراد الحصاد وقد أهمل مراحل الزراعة كلها .. فأنى له ذلك ؟! .. هو نفس القانون في النباتات إذ ترون البذرة تضرب جذورها في الأرض ، لتمتص الماء والأملاح ثم تبدأ في النمو فتصير نجما ، ثم تبدأ أوراقها في الخروج شيئا فشيئا ، وهي تتعرض لنور الشمس الذي يغير لونها إلى أخضر باه جميل وهكذا حتى يستتم الزرع ويحصل النفع ، وانظروا إلى من أراد الصلاح للناس هل استقام على ذلك ؟! .. وهل دام حاله كذلك ؟! ، لأنه أهمل زراعة نفسه هو الآخر فلم يجن إلا الوبال والخبال .. كبذرة أهملناها فكان مصيرها التعفن والفساد .. لهذا قال سيدي ابن عطاء الله السكندري : " ادفن نفسك في أرض الخمول ، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه " .

ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق