أخر الاخبار

الأربعاء، 9 أكتوبر 2013

المسافة بين الأرض والمريخ بقلم فضيلة سويسي

لولا العفن لما اكتشف أليكسندر فلمينغ البنسلين، والبنسلين مضاد حيوي يلعب دورا كبيرا في علاج أمراض كالزهري والسيلان والدفتريا والحمى القرمزية والتهابات المفاصل والالتهاب الرئوي وتسمم الدم ومرض العظام والغارغرينا وغيرها.
بدأت رحلة الاكتشاف بعد أن لاحظ فلمينغ أن البكتيريا تندثر حول العفن والفطريات
أما توماس إديسون مخترع المصباح الكهربائي فله قصة أخرى, يقال إنه كرر التجربة أكثر من تسع وتسعين مرة لينجح أخيرا في ابتكار مصباح قَلب ليل الناس الموحش إلى دفء وحياة تُحتمل.

ليت المجال يسمح بذكر أسماء مخترعي الطائرات والكمبيوتر والهاتف النقال وجهاز تنظيم دقات القلب وأجهزة الغسيل الكلوي واختراعات واكتشافات أخرى تتعلق بأدوية تعالج أمراضا كانت مستعصية أو قاتلة كالكوليرا والتيفويد والملاريا والجدري والتهاب الكبد الوبائي والشلل.

لكن الأكيد أنهم جميعا خدموا البشر بغض النظر عن دينهم ولونهم وجنسهم وقدّموا للبشرية أكثر بكثير ممن أراهم اليوم يتسابقون عبر فضائيات تكاثرت كالفطر، إلى توزيع فتاوى التكفير وتقرير مصائر العباد بعد الموت، وما إن كانوا سينعمون بالجنة أم سيدخلون النار.

ليت الثورات العربية أفرزت جيلا متعطشا للعلم والابتكار وحب الاستكشاف, بدل جيل جديد من المفتين, أقحموا الشعوب بنخبه وعامته في نقاشات بيزنطية خاوية حسمها غيرنا قبل قرون. 

المستغرب أن السلطات الحاكمة في مصر وتونس مثلا والتي تنتشر فيها هذه الظاهرة مؤخرا, تُقابل تصريحات هؤلاء بنوع من المهادنة يبعث على كثير من الشك, ففي تونس تبرر السلطة الأمر بأنها حرية تعبير وأن لهؤلاء الحق في التعبير عن أفكارهم وينبغي استيعابهم بالحوار, وفي رحلة استيعابها للمستحيل من وجهة نظري, تغفل السلطة الضرر الذي يطال النسيج الاجتماعي, والنمط الجديد المستورد من وراء البحار والصحاري الذي أصبح يفرض منطقه على مجتمع بأكمله.

الأمر لا يختلف كثيرا في مصر, دعاة ومشايخ يتوعدون بألفاظ منفرة وبلغة تخلو تماما من الموعظة الحسنة فنانين ومبدعين ومعارضين, فهذا يشبههم بالصراصير والفئران مرة وبالداعرين والعاهرات مرة أخرى وبسباب طال الأحياء منهم والأموات.
وفي هذا الصدد أذكر تعليقا مضحكا من الفنان أحمد بدير الذي قال ممازحا في أحد البرامج بلهجة مصرية " هو احنا كنا بنمثل تحت الأرض وفجأة طلعنا فوق الأرض وشافونا" وعلى الرغم من لقاء الرئيس مرسي نفسه بالفنانين والذي يذكرنا بأسلوب النظام السابق في إعطاء صورة براقة عنه, مازالت الهجمة مستمرة ومازالت القوانين غير واضحة بشأن تجريم هذه الأفعال التي تخرج عن إطار حرية التعبير وتدخل في إطار مصادرة حقوق الآخرين والتعدي عليها, والسبب باعتقادي هو الانتخابات المقبلة في البلدين وإن عُرف السبب بطل العجب, فلا حزب النهضة ولا حزب الحرية والعدالة على استعداد لمعاداة هذا التيار الذي يفيدهم في الأيام العصيبة.

في شهر أغسطس الماضي حط المسبار كيوريوسيتي على كوكب المريخ لاقتفاء أثر المياه ومقومات الحياة, بعد أن قطع مسافة بين الأرض وكوكب المريخ تقدر بنحو مائتين وخمسة وعشرين مليون كيلومتر, المسافة لوحدها كفيلة بإصابة أي شخص يفكر في الذهاب إلى المريخ بالإحباط والهلع, لكن هؤلاء العلماء لا يعرفون الإحباط ولا المستحيل, إنهم يعيشون في عالم آخر غير عالمنا, عالم لايُكفرون فيه أحدا ولايقررون فيه من يفوز بالجنة ومن يحترق بنار جهنم, ولعل المسافة بين العالمين هي نفس المسافة التي تفصل بين الأرض والمريخ.

فضيلة سويسي  _ قناة سكاي نيوز عربية









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

أخبار الولاية

أخبار الوطن

فن وثقافة

رياضة

أخبار العالم

مقالات

متفرقات

جميع الحقوق محفوظة ©2013