أخر الاخبار

الجمعة، 17 يناير 2014

في العمق. المقاصد التربوية للاحتفاء بمولد سيد البرية صلى الله عليه وسلم، بقلم: الشيخ أبو القاسم العبّاسي

حياة النّبي عليه الصلاة و السّلام وسيرته حافلةٌ بكلّ خير، عامرة بكل ما ينفع النّاس على اختلاف ألوانهم وألسنتهم ومشاربهم الفكرية أو العقيدية أو المذهبية ذلك أنّه صلّى الله عليه وسلّم بعث رحمة للعالمين دون تمييز بين هذا وذاك، كون الرّحمة هي المفتاح الذي يفتح به كلّ مغلاق لنفس تراكمت عليها أدران الذنوب وغطّتها أوساخ الآثام، وحجبنها أدناس المعاصي.
كم من نّفوس بشرية كانت ظاهرةً في عدائها لدين الله عز و جل، عصيّةً على إتباع هذا النّبي الكريم الذي عرف كيف يسوسها حتى استناخت على الحق بعد أن كانت شاردةً منه، ولسان حال الوجود يشهد بهذا التميّز النّبوي في حسن التّعامل مع النّاس ويقول “خلّوا بينه وبين الشاردين فإنّه أدرى بحالهم…”.
إنّ الاحتفال بمولد المصطفى عليه الصلاة والسلام تتجاذبه مفاهيم خاطئة رسمت لأصحابها طريقا هو ضرب من السّراب الفكري الذي ليس له أصل في الانتماء إلى الهوية العاطفية أو الوجدانية أو العملية التي تؤكّد عمق الولاء لسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم النّعمة المسداة والرّحمة المهداة إلى النّاس كافّة من الله ربّ العالمين.
ليس الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو إيقاد الشموع، أو أكل الحلوى، أو أقامة مهرجانات إنشادية أو عروض مسرحية، أو دورات رياضية، أو مسابقات فكرية فحسب، ولكنّه مبادرة للزمن حتى لا ينقضي عمر الإنسان المؤمن دون أن يترك آثارا صالحة تنفع العباد وتسعد البلاد. إنّ المقصد التربوي من وراء الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو إيقاد شموع الفكر الناضج لإطلاق المبادرات، وتحريرها من سجن التخلّف الفكري، والعقيدي والشرعي والحضاري.
إنّ المقصد التربوي من إحياء الذكرى النبوية الميلادية، هو إخماد نيران الشهوات، وإطفاء نيران الشبهات في النفس الإنسانية، وإعادة الانسجام بين الإنسان والكون من حوله ضمن إطار التجانس بين أشواق الروح ومطالب الجسد تحقيقا لمعنى العبودية المطلقة لله رب العالمين. إن المقصد التربوي من إحياء الذكرى العطرة هو تحطيم العقائد الفاسدة التي رانت على قلوب كثير من الناس، كما هو تحطيم للأفكار المادّية الصّارفة عن الصّفاء الرّوحي الذي يصله بالله تعالى، كما هو تحطيم لأمواج الفتن العارمة، ورياح الدمار العاتية التي تتقاذف المجتمع البشري.
إنّ المقصد التربوي من تجلّيات الأنوار المحمّدية في مولده هو زرع روح المبادرة المثمرة والمنتجة مع عقد مقارنات بين ما كان عليه السّلف من الصّحابة، والتّابعين وغيرهم من الصالحين رضي الله عنهم وبين ما نحن عليه في واقعنا المعاصر. إنّ المقصد التربوي في عمومه هو الارتباط الصّحيح بسيرة سيّدنا رسول الله عليه الصّلاة والسّلام، والالتزام الكامل بسنّته، خصوصا في الجوانب الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية، وهي السّنن – الأولويات – المهجورة في دنيا المسلمين.
ذلك أنّنا نرى التزاما أعرجا، وقياما أعوجا لبعض أشكال العبادة – والتي يستطيعها جل المسلمين – من بعض مرتادي بيوت الله، بينما نرى سننا نبوية كثيرة مهجورة عن قصد كونها تتطلّب مجاهدة حقيقية للنّفس في ميادين كثيرة من حياة المجتمع، مثل إحياء مشاريع التعاون والتضامن بين أهل الإيمان، وزرع البذور الصالحة لإحياء قيم التكافل بين المسلمين، ودعوة الناس إلى رعايتها وتعاهدها، وتوطين النفس على الأخلاق النبوية الفاضلة، ومثل المساهمة في التنفيس عن المكروبين والمنكوبين، والتخفيف من معاناة الذين يكابدون نوائب الدّهر، ومثل المشاركة في بناء وعي بيئي يعود بالخير على المجتمع فيرتقي حضاريا إلى مصاف الأستاذية التي ينشدها ديننا لأتباعه، عملا بقوله تعالى: {{ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب}} [المائدة/2].
يؤسفنا أن نرى عجزا مفضوحا في التعاطي مع السيرة النبوية الشريفة… عجزا وفشلا يدلّ عليهما ترف فكري لدى بعض المنتسبين لهذا الدين… فما أن تحل مناسبة الاحتفال بمولد سيدنا رسول الله إلاّ وترى وتشاهد وتسمع وتلاحظ سلبيات فكرية، وفراغات منهجية، كلّها تصبّ في تعكير أجواء المحبّة لهذا النّبي الكريم عليه الصّلاة والسلام، كما تساهم في توسيع دائرة الاختلاف والافتراق والنّزاع بين المسلمين، في وقتٍ المسلمون هم في أشد الحاجة إلى ما يجمعهم ويوحّدهم ويرعى لهم أمنهم النفسي والاقتصادي والثقافي والتربوي.
إنّ الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يستوجب إعادة رسم للخارطة التربوية العامّة المنطلقة من السيرة النبوية، كما يستوجب إحياء فقه الباطن – أو التربية الروحية – المؤسّس وفق كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم. فلو أننا أمعنا النظر في النصوص الشرعية نجدها لا تنتهي من حث الناس على الاهتمام بالجانب الباطني وإصلاح أعمال القلوب التي ينتج عنها السّلوك الظاهري السّويِّ والمستقيم، واّلأخلاق الرّبانية الفاضلة.
بقلم الشيخ: أبو القاسم العبّاسي
يوم 12 ربيع الأول 1435 هــ / الموافق 14 جانفي 2014
إمام مسجد أبي بكر الصّدّيق سيدي لعجال – الجلفة









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

أخبار الولاية

أخبار الوطن

فن وثقافة

رياضة

أخبار العالم

مقالات

متفرقات

جميع الحقوق محفوظة ©2013